ابن كثير
133
البداية والنهاية
وتسمية الاستئصال والاجتياح استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصها مختلسة من براثن ليث باسل ، وأنياب أسد مهيب ، تنفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد ، وأنتم أمناؤه وثقاته فتميلون رأيه إلى هواكم ، وتمزجون باطلكم بحقه ، فيطيعكم وأنتم له عاصون ، ويوافقكم وأنتم له مخالفون والآن قد بدل الله سبحانه بخوفكم أمنا ، وبفقركم غنى ، وبباطلكم حقا ، ورزقكم سلطانا يقيل العثرة ، ولا يؤاخذ إلا من أصر ، ولا ينتقم إلا ممن استمر ، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم ، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم ، يخاف الله تعالى فيخوفكم مكره ، ويرجو الله تعالى ويرغبكم في طاعته فإن سلكتم مسالك خلفاء الله في أرضه وأمنائه على خلقه ، وإلا هلكتم والسلام " . ووجد في داره رقاع مختومة لم يفتحها سترا للناس ودرءا عن أعراضهم رحمه الله ، وقد خلف من الأولاد عشرة ذكورا وإناثا ، منهم ابنه الأكبر الذي بويع له بالخلافة من بعده أبو جعفر المنصور ، ولقب بالمستنصر بالله ، وغسله الشيخ محمد الخياط الواعظ ، ودفن في دار الخلافة ، ثم نقل إلى الترب من الرصافة . خلافة المستنصر بالله العباسي أمير المؤمنين أبي جعفر منصور بن الظاهر محمد بن الناصر أحمد ، بويع بالخلافة يوم مات أبوه يوم جمعة ثالث عشر ( 1 ) رجب من هذه السنة ، سنة ثلاث وعشرين وستمائة ، استدعوا به من التاج فبايعه الخاصة والعامة من أهل العقد والحل ، وكان يوما مشهودا ، وكان عمره يومئذ خمسا وثلاثين سنة وخمسة أشهر وأحد عشر يوما ، وكان من أحسن الناس شكلا وأبهاهم منظرا ، وهو كما قال القائل : كأن الثريا علقت في جبينه * وفي خده الشعرى وفي وجهه القمر وفي نسبه الشريف خمسة عشر خليفة ، منهم خمسة من آبائه ولوا نسقا ، وتلقى هو الخلافة عنهم وراثة كابرا عن كابر ، وهذا شئ لم يتفق لاحد من الخلفاء قبله ، وسار في الناس كسيرة أبيه الظاهر في الجود وحسن السيرة والاحسان إلى الرعية ، وبنى المدرسة الكبيرة المستنصرية التي لم تبن مدرسة في الدنيا مثلها ، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله ، واستمر أرباب الولايات الذين كانوا في عهد أبيه على ما كانوا عليه ، ولما كان يوم الجمعة المقبلة خطب للامام المستنصر بالله على المنابر ونثر الذهب والفضة عند ذكر اسمه ، وكان يوما مشهودا ، وأنشد الشعراء المدائح والمراثي ، وأطلقت لهم الخلع والجوائز ، وقدم رسول من صاحب الموصل يوم غرة شعبان من الوزير ضياء الدين أبي الفتح نصر الله بن الأثير ، فيها التهنئة والتعزية بعبارة فصيحة بليغة .
--> ( 1 ) راجع حاشية 2 صفحة 132 .